أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

تحليل فيلم نهاية أخرى لطارق رسمي: إيحاء الصورة وقسوة الفعل الأخير

جيلالي بوجو وسليمان طلحي أبطال فيلم نهاية أخرى لطارق رسمي يحملان درع الجائزة الكبرى للفيلم القصير في مهرجان خريبكة الدولي للسينما الإفريقية
لحظة تتويج الفيلم المغربي القصير نهاية أخرى بالجائزة الكبرى في الدورة السادسة والعشرين من مهرجان خريبكة

 داخل سيارة تسير بمحاذاة المقبرة تظهر واحدة من أجمل لقطات الفيلم وأكثرها إيحاءا، حيث يجلس عبد المالك في المقعد الخلفي مستنداً إلى قنينة الأكسجين التي تمدّه بالحياة. الكاميرا مثبتة في زاوية مقربة ترصد ملامح وجه الممثل جيلالي بوجو من الجانب، بينما تظهر المقبرة في الخلفية عبر زجاج نافذة السيارة المتحركة. يمتد زمن اللقطة في صمت لا يقطعه سوى الصوت الطبيعي لجهاز التنفس، والسيارة تمر بمحاذاة القبور، فـ يتكثّف الإيحاء السينمائي لِـ يُعلن اقتراب الشخصية من عتبة الموت والرحيل دون حاجة إلى خطابات مباشرة.

الفيلم المغربي القصير "نهاية أخرى" للمخرج طارق رسمي، حاز الجائزة الكبرى ضمن مسابقة الفيلم القصير في مهرجان خريبكة الدولي للسينما الإفريقية في دورته السادسة والعشرين. هذا التتويج يأتي نتاجاً لالتزام العمل بالقواعد السينمائية الكلاسيكية، وتوظيف التقنيات المحددة في خدمة الحكاية، بعيداً عن الادعاء البصري أو السعي وراء التجديد لمجرد لفت الانتباه.

الحكاية في جوهرها بسيطة، تتناول أخوين تقدم بهما العمر، عبد المالك الذي يعيش عاجزاً تحت رحمة قنينة الأكسجين، وسليمان المريض بالقلب، والذي يلعب دوره الممثل سليمان طلحي.

يتحمل سليمان بمرارة عبء رعاية شقيقه العاجز رغم معاناته الصحية الخاصة وصراعه الداخلي العميق الممتد بين مرضه ومشاعر الحزن تجاه وضع أخيه. هذه المعاناة اليومية والجسدية المتعبة هي المحرك الأساسي للأحداث، وتدور تفاصيلها داخل بيئة بصرية شديدة الانضباط والهدوء.

لغة الصورة والصوت في فيلم نهاية أخرى

الكاميرا الثابتة والإطار داخل الإطار

قوة الفيلم تَنبع من اعتماده الكلي على الكاميرا الثابتة وتكوين "الإطار داخل الإطار". يتيح هذا الخيار البصري حصر الشخصيات في مساحات محددة تعكس وطأة العزلة والمرض، كما تمنح المُشَاهد فرصة لتأمل تفاصيل الكادر دون تشتيت، مما يجعل التكوين عنصراً حكائياً بحد ذاته.

هذا الثبات البصري يتكامل مع استخدام تقنية "انتقال التركيز داخل الإطار الواحد" ، وهو ما يمثل مونتاجاً داخلياً يُغني عن قطع اللقطات. تتحرك عين المشاهد بسلاسة مع تحول بؤرة العدسة من عبد المالك إلى سليمان، أو العكس، في ظل ثبات الكاميرا الكامل، مما يحافظ على تدفق الزمن الحقيقي داخل المشهد.

خارج الحقل والصوت الطبيعي

يتسع مدى الحكاية من خلال التوظيف الذكي لجماليات "خارج الحقل"، إذ يقع جزء كبير من الفعل الدرامي بعيداً عن عيون المشاهدين، لكنه يظل حاضراً بقوة عبر شريط الصوت. حركة سليمان والأصوات الطبيعية التي يصدرها أثناء حركته في الغرف المجاورة خارج الحقل البصري، تملأ الفراغ وتُكمل تفاصيل الحكاية المسموعة، مما يمنح الفضاء السينمائي أبعاداً واقعية ومؤثرة.

الأصوات الطبيعية تُشكل العمود الفقري للبناء الصوتي للفيلم، مع غياب كامل للموسيقى التصويرية المفتعلة التي تُستخدم عادة لِشحن العواطف. المخرج يكتفي بمقطع موسيقي قصير جداً ومحدد، لا يطغى على الواقعية الصوتية للعمل، بل يترك للمشاهد حرية مُعايشة اللحظة وتلقي الأحاسيس بشكلها الخام والصادق.

إيقاع فيلم قصير يعرف ماذا يحذف

يتجلى هذا البناء الواعي في الانضباط الزمني للفيلم الذي يمتد لِست وعشرين دقيقة، حيث تبدو كل لقطة محسوبة بدقة في سياق التمهيد للأحداث التالية دون الوقوع في فخ الحشو أو التقصير، وهو ما يعكس استيعاباً عميقاً للقواعدِ وتطبيقاً دقيقاً لها ينتج عملاً متماسك الأركان.

نهاية فيلم نهاية أخرى: فعل صادم داخل صمت قاسٍ

بعد هذا البناء البصري والصوتي يصل الفيلم إلى نهايته بفعل صادم، حين يقطع سليمان الأكسجين عن أخيه عبد المالك فيموت داخل السيارة. يختار الفيلم أن يترك هذا الموت في منطقة صامتة، بعيدا عن الانفجار العاطفي والخطاب الشارح، فيصبح إدراك ما حدث أشد إيلاما. القسوة هنا لا تأتي من مشهد موت كبير، وإنما من بساطة الفعل وهدوئه، ومن ذلك الفراغ الذي يتركه الفيلم بعد انقطاع النفس.

قبل هذه اللحظة، يكون الفيلم قد وضع سليمان داخل دائرة خانقة من العجز. رجل مريض ومنهك يحمل وحده مسؤولية أخ مريض يعيش بمساعدة قنينة أوكسجين، داخل بيت ضيق وفقر واضح. يصطدم بنظام رعاية صحي عاجز عن استقباله، ثم يذهب إلى المدينة بحثا عن ابن عبد المالك الغائب، فتفشل الرحلة، وتتحول السيارة في النهاية إلى مأوى مؤقت ينامان داخله؛ كأن الخروج من البيت قادهما إلى بيت أصغر وأكثر هشاشة. هذا السياق يشرح الطريق إلى الانهيار، ويجعل الضغط الذي يعيشه سليمان مفهوما.

مع ذلك، يبقى الفعل خارج التبرير. يمكن استحضار الخوف على عبد المالك، وخذلان المؤسسة الصحية، وغياب العائلة، والفقر الذي ضيق مجال الاختيار في عين سليمان. كل هذه العناصر موجودة في الفيلم، وكلها تساعد على فهم اللحظة التي وصل إليها، لكنها لا تمنحه حق إنهاء حياة أخيه. عبد المالك كان مريضا وعاجزا، لكنه كان حيا، وحياته الصعبة والمعتمدة على جهاز تظل حياته هو. الخوف عليه شعور داخل سليمان، ولا يتحول إلى تفويض يضع مصير عبد المالك في يده.

هنا تزداد النهاية تعقيدا. سليمان يقف في موضع الضحية وموضع القاتل في الوقت نفسه. يمكن للمشاهد أن يشفق عليه، وأن يرى انهياره، وأن يفهم كيف دفعته الظروف إلى تلك اللحظة، لكن الشفقة لا تمحو الجريمة. العجز يشرح المسار، والجريمة تحتفظ باسمها. لهذا لا تتحول نهاية أخرى إلى حكاية رحمة، بل إلى منطقة إنسانية قاسية تفتح باب الفهم وتغلق باب التبرئة السهلة.