أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

السينما الإفريقية والمنصات الرقمية: حلم الانتشار أم شكل جديد من التبعية؟

ندوة حول السينما الإفريقية والمنصات الرقمية ضمن الدورة 26 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة
في قلب الدورة 26 لمهرجان خريبكة، تحولت المنصات الرقمية إلى سؤال حول القاعات، الجمهور، والاقتصاد السينمائي الإفريقي

في الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، جاءت الندوة المركزية حول الإنتاج السينمائي الإفريقي أمام منصات البث الرقمي لتضع سؤالا كبيرا في قلب المهرجان. لم يكن السؤال تقنيا فقط، ولم يكن مرتبطا بطريقة مشاهدة الفيلم على الهاتف أو التلفاز الذكي. كان سؤالا عن حياة الفيلم الإفريقي بعد المهرجان، وعن الطريق الذي يسلكه نحو جمهوره، وعن القوة التي تحدد ما يظهر وما يختفي داخل سوق رقمية واسعة ومعقدة.

الفيلم الإفريقي اليوم يعيش مفارقة واضحة. هناك رغبة متزايدة في الوصول إلى جمهور عالمي، وفي تجاوز حدود القاعة المحلية والمهرجان المؤقت. وهناك في المقابل واقع صناعي هش في مناطق واسعة من القارة: قاعات قليلة، توزيع ضعيف، تمويل صعب، قرصنة، وضعف في البنية الرقمية ووسائل الدفع. لذلك تبدو المنصات الرقمية كأنها باب مفتوح، لكن هذا الباب يقود إلى أسئلة أكثر صعوبة من مجرد رفع فيلم داخل تطبيق.

داخل خريبكة، لم يكن الحديث عن المنصات إضافة عصرية إلى برنامج المهرجان. كان امتدادا طبيعيا لسؤال ظل يرافق السينما الإفريقية منذ سنوات: كيف تصل الأفلام إلى الناس؟ وكيف تعيش بعد العرض الأول؟ وكيف تتحول من لحظة احتفاء في مهرجان إلى جزء من ذاكرة المشاهدين، ومن اقتصاد قادر على إنتاج أفلام جديدة؟

هذا المقال ينطلق من تلك الندوة، لكنه يذهب أبعد من حدودها. المنصات الرقمية تمنح السينما الإفريقية فرصة انتشار حقيقية، وتضعها أيضا أمام امتحان اقتصادي وثقافي. هل تدخل هذه السينما العالم الرقمي وهي تملك شيئا من شروط ظهورها، أم تدخل إليه كمنتج جديد داخل منظومة يملكها الآخرون؟

مشاكل قديمة قبل ظهور المنصات

قبل الحديث عن نتفليكس أو يوتيوب أو شوماكس، يجب العودة إلى الأرض التي تقف عليها السينما الإفريقية. المنصات لا تأتي إلى صناعة مكتملة في كثير من البلدان الإفريقية، بل تدخل إلى فضاء يعاني أصلا من مشاكل قديمة. هناك بلدان تنتج أفلاما قوية ومؤثرة، لكنها لا تملك عددا كافيا من القاعات. وهناك أفلام تعيش في المهرجانات أكثر مما تعيش بين جمهورها المحلي. وهناك مخرجون يجدون طريقا إلى جوائز دولية، ثم يعجزون عن خلق علاقة مستمرة مع مشاهدين داخل بلدانهم.

تقرير اليونسكو حول الصناعة السينمائية والسمعية البصرية في إفريقيا يقدم أرقاما تساعد على فهم حجم المسألة. التقرير يتحدث عن قطاع يوظف حاليا ملايين الأشخاص ويساهم بمليارات الدولارات في اقتصاد القارة، مع قدرة كامنة أكبر بكثير إذا توفرت شروط التنظيم والاستثمار والحماية والتوزيع. هذه الأرقام مهمة لأنها تنقل النقاش من لغة الحلم الثقافي إلى لغة الصناعة. السينما هنا ليست هواية جماعية ولا نشاطا مهرجانيا عابرا، بل قطاع يمكن أن يخلق عملا ومالا وخبرة وصورة ثقافية.

لكن هذه القدرة الكامنة تصطدم بواقع غير متوازن. في مناطق واسعة من القارة، لا توجد قاعات كافية تجعل الذهاب إلى السينما عادة اجتماعية. في بعض المدن، اختفت القاعات القديمة أو تحولت إلى فضاءات أخرى. في مناطق أخرى، توجد الأفلام لكن طرق التوزيع ضعيفة. المنتج قد ينجز الفيلم، ثم لا يعرف كيف يمنحه حياة بعد عرضه الأول. المهرجان يمنحه لحظة ضوء، لكن الضوء ينطفئ بسرعة إذا لم يكن هناك طريق إلى الجمهور.

هذا هو السبب الذي يجعل سؤال المنصات معقدا. المنصة قد تفتح بابا جديدا، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة غياب القاعة، ولا تعوض غياب المنتج القادر على بناء مسار للفيلم، ولا تحل مشكلة القرصنة، ولا تخلق تلقائيا جمهورا محليا يحب مشاهدة أفلامه. المنصة تصبح نافذة مهمة، لكنها لا تستطيع حمل البيت كله إذا كان البيت نفسه يحتاج إلى أساس أقوى.

القاعة كأصل في تجربة السينما

الحديث عن المنصات الرقمية يجب أن يمر أولا من القاعة. القاعة ليست شاشة كبيرة فقط، بل عادة اجتماعية وطقس مشاهدة ومكان لقاء. في القاعة يرى الجمهور الفيلم في وقت واحد، ويتقاسم الصمت والضحك والتوتر والانفعال. هذه التجربة الجماعية تمنح السينما جزءا من معناها، وتمنح الفيلم حياة لا تشبه المشاهدة الفردية على الهاتف أو التلفاز.

في بلدان كثيرة، ضعف القاعات لا يعني فقط نقصا في عدد الشاشات. يعني أيضا ضعف عادة الذهاب إلى السينما. عندما ينقطع الجمهور سنوات طويلة عن القاعة، يصبح الفيلم المحلي غريبا حتى داخل بلده. قد يفوز في مهرجان، وقد يكتب عنه ناقد أجنبي، لكن أبناء مدينته لا يجدون طريقا سهلا لمشاهدته. هنا تظهر المفارقة المؤلمة: فيلم إفريقي قد يصل إلى منصة عالمية قبل أن يصل إلى جمهور قريب منه جغرافيا وثقافيا.

المنصة الرقمية تستطيع أن تمدد عمر الفيلم، لكنها لا تمنحه التجربة نفسها التي تمنحها القاعة. لذلك يجب أن نتعامل مع البث الرقمي باعتباره مسارا إضافيا، لا بديلا كاملا عن القاعة. السينما الإفريقية تحتاج إلى الشاشتين معا: شاشة القاعة التي تصنع اللقاء، وشاشة المنصة التي توسع الانتشار. قوة الصناعة تأتي من تعدد الطرق، لا من الارتهان لطريق واحد.

المنصات الرقمية كفرصة للوصول

رغم كل هذه المشاكل، يجب الاعتراف بأن المنصات الرقمية غيرت شيئا حقيقيا في علاقة الأفلام الإفريقية بالعالم. قبل سنوات، كان وصول فيلم إفريقي إلى مشاهد خارج القارة يحتاج إلى مهرجان، موزع دولي، قناة تلفزية، أو شبكة علاقات صعبة. اليوم يستطيع فيلم نيجيري أو جنوب إفريقي أو كيني أن يظهر على منصة عالمية، وأن يصل إلى مشاهدين لم يكونوا يعرفون شيئا عن هذه السينما.

تقرير نتفليكس حول أثر استثماراتها في جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا يقدم وجها من هذه الصورة. التقرير يتحدث عن استثمار مهم في الإنتاج المحلي بين 2016 و2022، وعن فرص عمل وعائدات اقتصادية نتجت عن هذه الاستثمارات. يجب قراءة هذا التقرير بحذر، لأنه صادر لصالح المنصة نفسها ويقدم صورتها الإيجابية، لكنه يظل مفيدا لأنه يبين كيف يمكن لرأس المال الرقمي العالمي أن يحرك أجزاء من منظومة الإنتاج المحلي.

عندما تدخل منصة كبرى إلى سوق ما، فهي لا تشتري فيلما فقط. هي تحرك شركات إنتاج، تقنيين، ممثلين، مواقع تصوير، خدمات ما بعد الإنتاج، ومهارات محلية. بهذا المعنى، يمكن للمنصة أن تكون فرصة. يمكنها أن تمنح بعض صناع الأفلام ميزانيات لم تكن متاحة لهم، وأن تفتح أمامهم سوقا أوسع، وأن تجعل قصصهم جزءا من مكتبة عالمية.

فيلم الكتاب الأسود (The Black Book) النيجيري يقدم مثالا واضحا على هذه الإمكانية. الفيلم حقق أرقاما لافتة على نتفليكس، ودخل قوائم المشاهدة في عدد كبير من البلدان خلال فترة قصيرة. هذا النجاح مهم لأنه يؤكد أن الفيلم الإفريقي يستطيع أن يجذب جمهورا واسعا إذا وجد طريقا قويا إلى الظهور. الجمهور العالمي ليس مغلقا أمام القصص الإفريقية. المشكلة غالبا في الطريق الذي يجعل هذه القصص مرئية.

لكن نجاح فيلم واحد لا يصنع صناعة كاملة. الكتاب الأسود يمكن أن يثبت إمكانية الوصول، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال الاستمرارية. ما الذي يحدث بعد نجاح الفيلم؟ هل يستفيد المنتج المحلي من هذه التجربة في بناء أفلام أخرى؟ هل تُخلق علاقة طويلة بين الجمهور العالمي والسينما النيجيرية؟ هل يتحول النجاح الفردي إلى منظومة إنتاج وتوزيع وتسويق؟ هنا تبدأ الأسئلة التي تجعل المنصات فرصة واختبارا في الوقت نفسه.

شروط الظهور داخل المنصة

المنصة تمنح الفيلم مكانا داخل مكتبتها، وتملك أيضا طريقة ظهوره. هذا التفصيل هو جوهر المسألة. الفيلم قد يوجد داخل منصة كبيرة، لكنه قد يغيب وسط آلاف العناوين إذا لم تدفعه الخوارزمية إلى واجهة المُشاهد. في القاعة، يختار المتفرج الفيلم عبر إعلان أو نقاش أو سمعة أو موعد عرض. داخل المنصة، تصبح الخوارزمية وسيطا قويا بين الفيلم والجمهور.

هذه الخوارزمية جزء من نظام اقتصادي يريد أن يحافظ على وقت المُشاهد داخل المنصة. لذلك قد تميل إلى الأعمال الأكثر قابلية للاستهلاك السريع، أو الأعمال التي تشبه ما شاهده المستخدم سابقا، أو الأعمال التي تستطيع المنصة تسويقها بسهولة في أكثر من بلد. الفيلم الإفريقي يدخل هنا إلى مساحة عالمية، لكنه يدخل أيضا إلى منطق تصنيف وترشيح وقياس لا يملكه.

تظهر هنا أسئلة الحقوق والبيانات والعائدات. المنتج يريد أن يعرف أين شوهد فيلمه، ومن شاهده، وكيف عاش داخل المنصة، وما الذي بقي له من حقوق بعد انتهاء التعاقد. المنصة تملك بيانات دقيقة جدا عن سلوك المشاهدين، وهذه البيانات تصبح قوة اقتصادية ومعرفية. إذا بقيت البيانات محصورة في يد المنصة، فإن المنتج المحلي يستفيد من الوصول، لكنه يفقد جزءا من معرفة جمهوره.

توجد أيضا مسألة الشكل السينمائي نفسه. عندما يعرف صانع الفيلم أن عمله سيذهب إلى منصة عالمية، قد يبدأ بالتفكير في إيقاع أسرع، وبناء سردي أكثر وضوحا، وصورة تقنية أكثر توافقا مع شروط العرض الرقمي، ولغة يسهل تسويقها. هذا الاختيار قد يكون فنيا وواعيا. وقد يتحول تدريجيا إلى ضغط غير مباشر يجعل الفيلم مصمما لتلبية ذوق منصة، على حساب حساسية محلية أو تجربة إنسانية أكثر خصوصية.

لذلك يصبح السؤال الأهم: هل تصل السينما الإفريقية إلى العالم بشروطها، أم تصل بعد أن تعيد تشكيل نفسها كي تصبح أكثر قبولا داخل مكتبة رقمية عالمية؟ الانتشار جميل، لكنه يصبح ناقصا إذا كان ثمنه فقدان الصوت الخاص، أو فقدان الحقوق، أو فقدان العلاقة المباشرة مع الجمهور المحلي.

منصة  "شوماكس" وسؤال الاستدامة

ظهرت شوماكس كواحد من أهم المشاريع الإفريقية في مجال البث حسب الطلب. أطلقتها مجموعة MultiChoice سنة 2015 من جنوب إفريقيا، وقدمت نفسها كمنصة قادرة على مخاطبة الجمهور الإفريقي من داخل واقعه، عبر محتوى محلي وتجربة مشاهدة أقرب إلى عادات السوق الإفريقية. كانت الفكرة مغرية: منصة تنطلق من القارة، وتنافس المنصات العالمية، وتمنح الأعمال الإفريقية مساحة ظهور أوسع.

ازدادت أهمية المشروع مع الشراكة التي أعلنتها MultiChoice سنة 2023 مع Comcast وNBCUniversal وSky، ثم مع إعادة إطلاق شوماكس في نسخة جديدة سنة 2024. بدا الأمر آنذاك كأنه محاولة لبناء منصة إفريقية أكبر، تستفيد من التكنولوجيا العالمية، وتحافظ في الوقت نفسه على حضور محلي واضح. لم تكن شوماكس مجرد تطبيق للمشاهدة، بل كانت محاولة لصناعة بيت رقمي للأفلام والمسلسلات الإفريقية.

لهذا بدت شوماكس، في لحظة من اللحظات، مثالا عمليا على الحلم الذي تبحث عنه السينما الإفريقية أمام المنصات الرقمية. منصة من داخل القارة، تتوجه إلى جمهورها، وتراهن على أعمالها، وتحاول أن تمنح المحتوى الإفريقي مكانا أكبر من الهامش الذي يحصل عليه أحيانا داخل المكتبات الرقمية العالمية.

لكن مسار شوماكس كشف بسرعة أن امتلاك منصة إفريقية يحتاج إلى أكثر من الفكرة الجيدة. المنصة الرقمية مشروع مكلف، يحتاج إلى محتوى متجدد، حقوق عرض، تسويق دائم، بنية تقنية قوية، قاعدة مشتركين واسعة، ونموذج اقتصادي قادر على تحمّل سنوات الخسارة الأولى. هذه العناصر تجعل المنصة صناعة كاملة، وليست واجهة رقمية جميلة أو شعارا ثقافيا جذابا.

مع مرور الوقت، اصطدم المشروع بسؤال الاستدامة. أعلنت DStv أن خدمة شوماكس ستتوقف في 30 أبريل 2026، وأن مختارات من أعمالها الأصلية ستنتقل إلى DStv Stream. وذكرت تقارير صحفية أن القرار جاء بعد خسائر كبيرة جعلت استمرار الخدمة بالشكل السابق صعبا. هنا تتحول شوماكس من مثال على الحلم الرقمي الإفريقي إلى حالة مهمة لفهم صعوبة بناء منصة إفريقية قادرة على البقاء.

تجربة شوماكس لا تضعف فكرة المنصات الإفريقية، بل تجعلها أكثر جدية. القارة تحتاج إلى منصات تعرف جمهورها وتمنح أعمالها مكانا محترما، لكن هذه المنصات تحتاج إلى رأس مال طويل النفس، وتحالفات تقنية وتجارية قوية، وقاعدة مشتركين قادرة على تحويل المشاهدة إلى دخل مستمر. الهوية الإفريقية تمنح المشروع معنى، لكنها لا تكفي لتشغيله اقتصاديا.

من هنا يصبح سؤال التبعية أكثر تعقيدا. الاعتماد على نتفليكس أو أمازون يضع السينما الإفريقية داخل شروط منصات عالمية. والرغبة في امتلاك منصة محلية دون امتلاك شروط بقائها تخلق هشاشة من نوع آخر. السيادة الرقمية تبدأ من القدرة على الاستمرار: نموذج اقتصادي واضح، جمهور قادر على الدفع، بنية تقنية مستقرة، ومحتوى محلي يجد طريقه إلى الناس بانتظام..

أمازون برايم فيديو ودرس الهشاشة

تجربة أمازون برايم فيديو في إفريقيا تقدم وجها آخر للسؤال. المنصات العالمية تتحرك بمنطق استراتيجي. تدخل سوقا عندما ترى فيه فرصة، وتعيد ترتيب أولوياتها عندما تتغير الحسابات. تقارير صحفية موثوقة تحدثت عن تقليص حضور أمازون في إفريقيا وتراجع الاستثمار في الإنتاج المحلي. هذه الأخبار تذكرنا بأن قرار المنصة العالمية قد يتغير بسرعة، وأن المنتج المحلي قد يجد نفسه مرتبطا بمركز قرار بعيد عن واقعه وجمهوره.

التعاون مع المنصات العالمية يمكن أن يكون مفيدا، ويمكن أن يفتح أبوابا لصناع الأفلام. لكن الاعتماد الكامل على منصة عالمية واحدة يجعل الصناعة المحلية هشة. إذا تغيرت الاستراتيجية، تتوقف المشاريع. إذا تغيرت الخوارزمية، يختفي الفيلم. إذا تغيرت شروط التعاقد، يضعف المنتج.

لذلك تحتاج السينما الإفريقية إلى مسارات متعددة. القاعة، المنصة العالمية، المنصة المحلية، التلفزيون، يوتيوب، العروض البديلة، المدارس، الجامعات، والمهرجانات. وجود أكثر من طريق يمنح الفيلم حياة أطول، ويحمي الصناعة من الارتباط الكامل بقرار شركة واحدة.

يوتيوب كطريق مباشر إلى الجمهور

من بين الأفكار التي تستحق مساحة واسعة في هذا النقاش، هناك عودة بعض صناع نوليوود إلى يوتيوب. تقرير The Guardian حول انتقال عدد من صناع الأفلام النيجيريين إلى يوتيوب بعد تراجع أو تغير استراتيجيات منصات كبرى يقدم مادة مهمة جدا. المثال الأبرز هو فيلم الحب في كل كلمة (Love in Every Word) الذي حقق ملايين المشاهدات خلال أيام قليلة، وفتح نقاشا حول قدرة يوتيوب على أن يكون طريقا مباشرا للجمهور.

يوتيوب يختلف عن المنصات المغلقة. صانع الفيلم لا يحتاج إلى لجنة اقتناء ولا إلى موافقة منصة كبرى كي يظهر عمله. يستطيع أن يرفع الفيلم، ويرى بسرعة كيف يتفاعل الجمهور. هذه الحرية مغرية، خصوصا في بيئة تعاني من قلة القاعات وصعوبة التوزيع. المنصة المفتوحة تمنح صانع الفيلم فرصة لاختبار جمهوره مباشرة.

لكن الطريق المباشر يحمل مشاكله أيضا. يوتيوب يضغط باتجاه السرعة. الخوارزمية تحب العناوين الجاذبة، والمحتوى المتكرر، والإيقاع السريع، والتفاعل المستمر. هناك أيضا مشكل الجودة، والقرصنة، وضعف المداخيل بالنسبة لكثير من المنتجين، وقصر مدة التحضير أحيانا. الطريق المفتوح لا يعني تلقائيا صناعة صحية. قد يمنح الوصول، لكنه قد يدفع أيضا إلى إنتاج سريع لا يملك دائما الوقت الكافي للكتابة والتصوير والبناء الدرامي.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل يوتيوب. في سياق مثل نوليوود، حيث توجد كثافة إنتاج وجمهور واسع ورغبة في المشاهدة، يصبح يوتيوب ساحة حقيقية لاختبار العلاقة بين الفيلم والجمهور. قد لا يكون الحل الكامل، لكنه يكشف شيئا مهما: صانع الفيلم الإفريقي لا ينتظر دائما المنصة الكبرى. عندما تضيق الأبواب، يبحث عن طريق آخر إلى الناس.

الإنترنت والدفع الرقمي قبل المنصة

الحديث عن المنصات الرقمية يبقى ناقصا إذا لم نضع المُشاهد نفسه في قلب السؤال. المنصة تحتاج إلى جمهور قادر على الوصول إليها. هذا الوصول لا يتحقق بالرغبة وحدها. يحتاج إلى إنترنت مستقر، وصبيب مناسب، وسعر مقبول، وجهاز مشاهدة، وطريقة دفع سهلة، وثقة في المعاملات الرقمية.

تقارير الاتصال في إفريقيا تظهر فجوة واضحة بين القارة وبقية العالم في استعمال الإنترنت، خاصة في مناطق واسعة خارج المدن الكبرى. حتى في بلدان تبدو أكثر تقدما في البنية الرقمية، يتغير الوضع بمجرد الخروج من المراكز الحضرية. في المغرب مثلا، يمكن أن تجد فرقا كبيرا بين مدينة كبرى وضواحيها أو مناطقها القروية. هذا الواقع يصبح أكثر حدة في بلدان إفريقية كثيرة حيث يتركز الإنترنت الجيد في العاصمة أو الأحياء الأكثر قدرة على الدفع.

الدفع الرقمي يمثل مشكلة أخرى. الاشتراك في منصة يحتاج إلى بطاقة بنكية أو خدمة دفع سهلة. في بلدان كثيرة، لا يزال النقد حاضرا بقوة، والثقة في الدفع عبر الإنترنت محدودة، والخدمات البنكية ليست متاحة للجميع بالطريقة نفسها. هنا تصبح شركات الاتصالات والدفع الرقمي جزءا من صناعة السينما، حتى لو بدت بعيدة عنها. الفيلم لن يصل رقميا إذا كان المُشاهد لا يستطيع دفع الاشتراك أو تحميل التطبيق أو مشاهدة العمل دون انقطاع.

هذه النقطة مهمة لأنها تكشف أن البث الرقمي ليس مسألة سينمائية فقط. إنه مسألة بنية تحتية. شركات الاتصالات، البنوك، خدمات الدفع عبر الهاتف، أنظمة الدفع المحلية، وسعر الإنترنت، كلها عناصر تدخل في مستقبل الفيلم الإفريقي. المنصة الناجحة في إفريقيا تحتاج إلى فهم هذه التفاصيل. لا يكفي أن تضع مكتبة أفلام داخل تطبيق، ثم تنتظر أن يأتي الجمهور.

الجهات التي تصنع الصناعة

في النقاشات حول السينما، يظهر حل جاهز كثيرا: الدولة يجب أن تفعل. هذه الجملة تبدو سهلة، لكنها لا تكفي. الدولة لها دور مهم، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع صناعة سينمائية حية. الصناعة تحتاج إلى أرضية قانونية وسياسات واضحة، وتحتاج أيضا إلى مال خاص، منتجين، قاعات، موزعين، منصات، شركات اتصالات، نقاد، وجمهور.

دور الدولة يبدأ من تنظيم المجال. عليها أن تحمي الحقوق، وتواجه القرصنة، وتوفر تحفيزات للاستثمار، وتسهّل التصوير، وتدعم التكوين، وتراقب شفافية الدعم العمومي. الدعم يمكن أن يكون مفيدا إذا ساعد الفيلم على الوصول إلى الجمهور، وإذا شجع المنتجين على المخاطرة، وإذا ارتبط بخطط توزيع واضحة. لكن الدعم يصبح مشكلة عندما يتحول إلى غاية في حد ذاته.

في بعض التجارب، ينتظر المخرج الدعم سنوات طويلة، ثم ينجز فيلما لا يبحث عن جمهور ولا عن توزيع، ويعود بعد ذلك إلى دورة انتظار جديدة. هنا لا يبني الدعم صناعة، بل يبني علاقة تبعية مع المال العمومي. المشكلة ليست في وجود الدعم، بل في الطريقة التي يُفهم بها. الدعم يجب أن يكون جزءا من منظومة، لا بديلا عن المنظومة.

الصناعة تحتاج أيضا إلى أصحاب مال. هذا الأمر قد لا يعجب بعض الخطابات السينيفيلية، لكنه واقع. القاعة تحتاج إلى استثمار. التوزيع يحتاج إلى مال. المنصة تحتاج إلى رأسمال. التسويق يحتاج إلى ميزانية. في المغرب مثلا، أغلقت قاعات كثيرة كانت مملوكة لأفراد لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار اقتصاديا، بينما دخلت شركات كبرى ومركبات سينمائية حديثة إلى مدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة لأنها رأت إمكانية تجارية. هذه الشركات لا تستثمر بدافع الشاعرية، بل لأنها ترى جمهورا وسوقا وعائدا.

هذا لا يحول السينما إلى تجارة بلا روح. لكنه يذكرنا بأن الصناعة لا تعيش بالخطاب وحده. إذا لم يكن هناك مال، وإذا لم تكن هناك مداخيل، وإذا لم يكن هناك جمهور يدفع ثمنا للتذكرة أو للاشتراك، فإن السينما تبقى معلقة بين الدعم والمهرجان. الصناعة تبدأ عندما يصبح الفيلم جزءا من دورة اقتصادية تسمح بإنتاج فيلم جديد.

الفيلم التجاري كجزء من الحل

توجد مشكلة أخرى داخل الخطاب السينيفيلي نفسه. كثير من النقاد والسينيفيليين ينظرون إلى الفيلم التجاري أو الترفيهي بنوع من الاستصغار. الكوميديا، الفيلم العائلي، فيلم الحركة، فيلم الرعب، أو الفيلم الذي يذهب إليه الناس للضحك ونسيانه بعد الخروج من القاعة، كلها تُعامل أحيانا كأنها خارج السينما الجادة. هذه النظرة تضر بالصناعة أكثر مما تحمي الفن.

الفيلم التجاري ليس عدوا للفيلم الفني. في كثير من الأحيان، الفيلم التجاري هو الذي يخلق عادة الذهاب إلى القاعة. الأسرة التي تدخل إلى فيلم كوميدي أو عائلي تساهم في بقاء القاعة مفتوحة. القاعة المفتوحة تمنح فرصة لاحقة لأفلام أخرى أكثر صعوبة أو أكثر شاعرية. الجمهور الواسع لا يبدأ دائما من الفيلم المهرجاني. يبدأ أحيانا من فيلم بسيط، من ضحكة، من ممثل محبوب، من قصة سهلة، ثم تتسع علاقته بالسينما مع الوقت.

الصناعة تحتاج إلى تنوع. تحتاج إلى أفلام مهرجانية، وأفلام شعبية، وأفلام تجريبية، وأفلام عائلية، وأفلام حركة، وأفلام كوميدية. السوق الحي هو السوق الذي يسمح بوجود مستويات مختلفة من التلقي. إذا أنتجت السينما نوعا واحدا من الأفلام، فإنها تحاصر جمهورها وتضعف قدرتها على النمو.

في إفريقيا، حيث ما زالت القاعات محدودة في بلدان كثيرة، يصبح الفيلم التجاري ضروريا أكثر. لا يمكن أن نطلب من الجمهور أن يدعم القاعة إذا لم يجد فيها ما يريده أيضا. احترام الجمهور لا يعني مطاردته بأي شيء، لكنه يعني الاعتراف بأن المتعة جزء من السينما. الضحك، التشويق، الحركة، الرعب، العائلة، كلها مداخل حقيقية لبناء علاقة مع الشاشة.

من الكمّ يولد الكيف

من الأفكار التي تساعد على فهم الصناعة فكرة العلاقة بين الكمّ والكيف. أحيانا نتصور أن الجودة تأتي من انتظار الفيلم الكامل، الفكرة الكاملة، والظروف الكاملة. لكن الفن والصناعة يتقدمان غالبا عبر التكرار. ننتج، نخطئ، نتعلم، نعيد المحاولة، ومن داخل هذا التراكم تظهر أعمال أقوى.

القصة المعروفة باسم تجربة الكمّ مقابل الكيف تساعد في تقريب الفكرة. ترتبط القصة بالمصور والأستاذ الجامعي جيري يولسمان، وقد اشتهرت بصيغ مختلفة في كتاب الفن والخوف للكاتبين ديفيد بايلز وتيد أورلاند، ثم في كتاب العادات الذرية للكاتب جيمس كلير. الفكرة العامة أن مجموعة طلاب طُلب منها إنتاج أكبر عدد ممكن من الأعمال، بينما طُلب من مجموعة أخرى التركيز على عمل واحد مثالي. النتيجة التي تروى عن التجربة أن أفضل الأعمال جاءت من المجموعة التي مارست كثيرا، لأنها تعلمت من التجريب المتكرر، بينما بقيت المجموعة التي طاردت الكمال أسيرة التفكير والتنظير.

هذه القصة ليست دليلا علميا على صناعة السينما، لكنها تشبيه مهم. السينما تحتاج إلى ممارسة. الممثل يتطور عندما يشتغل. مدير التصوير يتطور عندما يصور كثيرا. المونتير يتطور عندما يواجه مواد مختلفة. الكاتب يتطور عندما يكتب ويعيد الكتابة. الصناعة كلها تتطور عندما يوجد إنتاج متكرر يسمح بتراكم الخبرة.

هنا يمكن أن نستحضر هوليوود كمنظومة إنتاج واسعة، دون التعامل معها كنموذج جمالي أعلى. هوليوود تنتج كثيرا، وتوزع المخاطر على أنواع مختلفة من الأفلام: أفلام عائلية، رعب، حركة، كوميديا، دراما، أنيميشن، وأفلام ضخمة. ليست كل هذه الأفلام ناجحة، وليست كلها جيدة، لكن كثافة الإنتاج ووجود شبكة توزيع وتسويق وقاعات ومنصات تسمح بظهور نجاحات كبيرة من داخل هذا التراكم.

الدرس هنا بسيط: السينما الإفريقية تحتاج إلى أفلام كثيرة كي تظهر أفلام قوية. الكثرة وحدها لا تكفي، لكنها تخلق ممارسة وسوقا وخبرة. غياب الإنتاج المنتظم يجعل كل فيلم يبدو كأنه امتحان مصيري، ويجعل كل فشل نهاية كبرى. أما الصناعة الحية فتتعامل مع الفشل كجزء من التعلم.

الطريق الهجين لحياة الفيلم

إذا كانت المنصات وحدها لا تكفي، وإذا كانت القاعة وحدها لا تكفي، فإن السينما الإفريقية تحتاج إلى طريق هجين. الفيلم يمكن أن يبدأ من مهرجان، ثم يذهب إلى القاعة، ثم يعيش في عروض بديلة، ثم يدخل منصة رقمية، ثم يجد حياة في التلفزيون أو التعليم أو الأرشيف. هذا المسار يحتاج إلى تفكير منذ مرحلة الإنتاج، لا بعد انتهاء الفيلم.

المنتج الذي يفكر في حياة الفيلم يطرح أسئلة مبكرة: لمن نصنع هذا الفيلم؟ أين سيعرض؟ هل يصلح للقاعة؟ هل يمكن أن يذهب إلى منصة؟ هل يحتاج إلى ترجمة؟ ما حقوقه؟ كيف نحتفظ بها؟ كيف نخاطب الجمهور المحلي؟ كيف نصل إلى جمهور خارج البلد؟ هذه الأسئلة قد تبدو تجارية للبعض، لكنها جزء من احترام الفيلم نفسه. الفيلم الذي لا نمنحه طريقا إلى الجمهور يبقى ناقص الحياة.

المهرجانات مهمة لأنها تمنح الاعتراف والنقاش والذاكرة. لكنها لا تستطيع أن تكون الطريق الوحيد. الجائزة قد ترفع اسم الفيلم، لكنها لا تضمن له جمهورا. المنصة قد تمنحه انتشارا، لكنها لا تضمن له علاقة محلية. القاعة قد تمنحه تجربة جماعية، لكنها تحتاج إلى جمهور معتاد على الذهاب إليها. لذلك يجب التفكير في كل هذه المسارات معا.

العودة إلى سؤال خريبكة

تعود أهمية ندوة خريبكة إلى أنها وضعت السينما الإفريقية أمام سؤالها الحقيقي: كيف تعيش الأفلام بعد لحظة العرض؟ المنصات الرقمية ليست مجرد حل جاهز، وليست تهديدا مطلقا. هي فرصة قوية إذا دخلتها السينما الإفريقية بوعي بحقوقها وجمهورها وبنيتها. وهي خطر إذا دخلتها كأفلام تبحث عن ضوء سريع داخل نظام لا تملك مفاتيحه.

الحلم الرقمي يحتاج إلى أرض صلبة. يحتاج إلى قاعات، إنتاج منتظم، جمهور محلي، شركات توزيع، منصات عادلة، إنترنت مستقر، دفع سهل، ومال قادر على المخاطرة. يحتاج أيضا إلى نقد يحترم الفيلم التجاري كما يحترم الفيلم الفني، لأن الصناعة لا تنمو من نوع واحد ولا من ذائقة واحدة.

السينما الإفريقية تملك قصصا وصورا وأصواتا كثيرة. مشكلتها الكبرى لا تكمن في غياب الحكايات، بل في الطريق الذي يجعل هذه الحكايات تعيش. المنصات يمكن أن تكون جسرا مهما نحو العالم، لكن الجسر يحتاج إلى طريق قبله وطريق بعده. من دون هذا الطريق، يتحول حلم الانتشار إلى ظهور عابر. ومع وجود هذا الطريق، يمكن للمنصة أن تصبح جزءا من صناعة أكثر قوة، لا بوابة جديدة للتبعية.