أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

مراجعة فيلم الأوديسة: مجرد فيلم هوليوودي خلف ضجيج آيماكس

 

مات ديمون في دور أوديسيوس وسط النيران في فيلم الأوديسة
يؤدي مات ديمون دور أوديسيوس في مغامرة حربية وفانتازية تعتمد على مشاهد الأكشن والإنتاج الضخم.

دفعتني الحملة التسويقية الضخمة المحيطة بفيلم «الأوديسة» إلى دخول القاعة وأنا أنتظر حدثاً سينمائياً يقدم شيئاً جديداً في الصورة وصناعة الفيلم. تكررت أخبار كاميرات آيماكس في المقابلات والإعلانات ومقاطع صناع المحتوى، حتى أصبحت التقنية هي الوعد الأساسي الذي يسبق الحكاية والممثلين والمخرج نفسه.

شاهدت الفيلم على شاشة آيماكس رقمية، بينما ارتبط جزء كبير من الحملة بِـ النسخة الشريطية النادرة بسبعين مليمتراً. بقي السؤال واحداً أثناء المشاهدة: ماذا فعل كريستوفر نولان بكل هذه الإمكانات؟ وما الذي أضافه «الأوديسة» إلى السينما بعد الضجة التي أحاطت به؟

انتهى العرض أمام إنتاج ضخم صنع حدثاً جماهيرياً ناجحاً، بينما جاءت التجربة الفنية مألوفة أكثر مما توقعت. وجدت مغامرة هوليوودية تجمع الفانتازيا والأكشن والحروب القديمة والنجوم والصوت المرتفع، وتتحرك طوال الوقت للحفاظ على الإبهار. أما الإبداع الذي قدمته الحملة كأنه نتيجة مضمونة للتصوير بكاميرات آيماكس، فقد ظل حضوره محدوداً داخل الفيلم.

تمخض جبل نولان فولد فيلماً هوليوودياً مألوفاً

أثارت عبارة «مجرد فيلم هوليوودي» استهجان بعض القراء عندما كتبتها بعد المشاهدة على منشور على صفحتي على الفيسبوك . المقصود يتعلق بطبيعة النتيجة التي قدمها هذا المشروع تحديداً. يعتمد الفيلم على ضخامة الإنتاج وشهرة المخرج والممثلين واتساع مواقع التصوير، ثم يضيف المعارك والمؤثرات والصوت القوي داخل حملة تجعل دخول القاعة مناسبة استثنائية.

تستطيع هذه العناصر صناعة فيلم ممتع، وقد نجح «الأوديسة» فعلاً في الوصول إلى جمهور واسع وتحويل عرضه إلى حدث عالمي. جاءت خيبة الأمل من المسافة بين هذا النجاح وبين الخطاب الذي قدم الفيلم كقفزة فنية وتقنية. انتهت كل الإمكانات إلى مغامرة ضخمة تستخدم أدوات هوليوودية معروفة، من دون اكتشاف سينمائي يوازي حجم التوقعات.

رحلة طويلة ظهرت كملخص لمسلسل

تستمد الأوديسة مادتها من رحلة امتدت سنوات، مر خلالها أوديسيوس بحروب وممالك ومخلوقات وفقدان متواصل قبل العودة إلى موطنه. ضغط الفيلم هذه الرحلة داخل محطات تظهر تباعاً كأنها ومضات مأخوذة من مسلسل طويل. تصل كل مواجهة إلى الشاشة وتؤدي وظيفتها في الحكاية، ثم يندفع السرد نحو الحدث التالي قبل أن يستقر أثرها داخل الشخصيات أو المشاهد.

يظهر هذا الضغط بوضوح في الجزء البحري. يعبر أوديسيوس ورجاله قرب السيرينات اللواتي يأسر غناؤهن من يسمعهن، ثم يصلون إلى الممر الذي تحاصره الدوامة من جانب وتخطف فيه سكيلا ستة بحارة من الجانب الآخر. تحمل هذه الأحداث خوفاً وخسارة وتضحية، بينما تمر في الفيلم كعلامات على طريق طويل.

حتى لقاء أوديسيوس بكلبه أرغوس فقد القوة المتوقعة منه. يتعرف الكلب إلى صاحبه بعد سنوات الغياب ويكشف هويته رغم تنكره، وهي لحظة قادرة على حمل معنى الوفاء والانتظار داخل نظرة واحدة. ينتقل الفيلم منها سريعاً، فيضيع جزء كبير من أثرها العاطفي.

يقدم مشهد سيرسي نتيجة أفضل، لأنه يحصل على وقت يسمح للخطر بأن يتشكل ولتحول الرجال أن يترك أثراً. يظهر خلاله قدر من الخوف والتعاطف، ويصبح واحداً من أكثر أجزاء الرحلة تماسكاً. يكشف هذا المشهد أن مادة الفيلم كانت قادرة على إنتاج لحظات أقوى كلما هدأ الإيقاع وترك الحدث يعيش داخل الصورة.

عوض السيناريو ضغط بقية الرحلة بكميات كبيرة من الحوار والشرح. وصلت المعلومات الأساسية، بينما ظل الارتباط العاطفي ضعيفاً. انتهى الفيلم من دون أن أجد شخصية استطعت أن أتعلق بها أو أشعر بثقل ما تعيشه، رغم أن القصة تقوم على الغياب والانتظار والخسارة والرغبة في العودة.

عالم ضخم يفقد الإقناع في تفاصيله

تظهر ضخامة الإنتاج في السفر بين المواقع وفي المشاهد البحرية والمعارك، ثم يضيق العالم عندما نصل إلى الأماكن التي تحتاج وزناً درامياً حقيقياً. قصر أوديسيوس مثال واضح، حيث يبدو من الخارج كبناية منفصلة فوق مرتفع صغير، من دون مدينة أو محيط يمنح المكان صورة مقر ملك ومركز مملكة. يوحي الداخل بحجم مختلف، فيظهر انفصال بين واجهة القصر والفضاء الذي يفترض أن يوجد حوله.

يظهر الخلل نفسه في حصان طروادة. جاء تصميمه منتظماً ومصقولاً إلى درجة تستحضر ورشة صناعية حديثة. تحتاج الحكاية إلى حصان يحمل آثار الخشب والحبال والعمل اليدوي والأدوات المتاحة في زمنها. التصميم الأنيق دفع العين إلى التفكير في طريقة صنع القطعة داخل موقع التصوير، فأضعف حضورها داخل زمن القصة.

كما تفتقد بعض مشاهد الفانتازيا منطقها الداخلي، خصوصاً أثناء الهرب من العمالقة. يقدم الفيلم مخلوقات تقطع بخطوة واحدة مسافة تحتاج من الإنسان إلى خطوات كثيرة، ثم يصل الرجال إلى البحر ويركبون سفينتهم بسهولة. وجود العملاق مقبول داخل عالم الفانتازيا، بينما يحتاج الهرب منه إلى عائق أو خطة أو مسافة تفسر نجاة الشخصيات.

آيماكس التي صنعت الضجة وأرهقت المشاهدة

قدمت الحملة كاميرات آيماكس كقلب المشروع، لكن الصورة حملت مشكلات واضحة أثناء العرض. خرجت وجوه بعض الممثلين من مجال التركيز في اللقطات القريبة عندما تحركوا، وظهر التشوش أثناء عدد من الحركات الأفقية للكاميرا. كما زاد المونتاج السريع من الإرهاق، لأن الشاشة العملاقة تحتاج زمناً يسمح للعين بقراءة التكوين والمنظر، بينما كان القطع ينتقل باستمرار حتى في مشاهد يمكنها الاستمرار داخل لقطات أطول.

واجهت أيضاً صعوبة في سماع الحوار. بدا الكلام في بعض اللحظات منفصلاً عن المكان، وفي لحظات أخرى غطت الموسيقى والمؤثرات على أصوات الممثلين. استعنت بالترجمة الفرنسية خلال معظم الفيلم حتى أتابع ما يدور داخل الحوارات.

وصل الصوت في مشاهد الأكشن والبحر إلى درجة سببت لي ألماً في الرأس والأذنين استمر بعد الخروج من القاعة. قد يجد مشاهد آخر في هذه القوة السمعية إحساساً بالاندماج، بينما تحولت تجربتي إلى ضغط جسدي. كانت أصوات البحر والرياح والخشب والماء قادرة على بناء مشاهد قوية، غير أن الفيلم اعتمد كثيراً على رفع الصوت لفرض التوتر والإثارة.

من سيستمتع بفيلم الأوديسة؟

يستطيع الفيلم منح تجربة ممتعة لمن يحب أفلام الأكشن والفانتازيا والحروب القديمة، ويبحث عن المعارك والوحوش والرحلات البحرية والنجوم داخل شاشة ضخمة. قد يجد هذا الجمهور في سرعة السرد حركة مستمرة، ويستمتع بقوة الصوت واتساع الصورة والمشاهد الاستعراضية.

تختلف التجربة عند المشاهد الذي ينتظر شخصيات تتطور أمامه، وعالماً تاريخياً مقنعاً، وإيقاعاً يسمح له بالعيش داخل الرحلة. كما سيختلف الحكم عند من يدخل القاعة باحثاً عن الإضافة الفنية التي وعدت بها الحملة، لأن الكاميرا الكبيرة تظل أداة تظهر قيمتها عندما تمنح الفيلم طريقة مميزة في الرؤية والحكي.

نجحت حملة «الأوديسة» في تحويل الفيلم إلى حدث عالمي، إذ حقق أكبر افتتاح في مسيرة كريستوفر نولان.،  وأعادت جمهوراً واسعاً إلى قاعات آيماكس. يستحق هذا الإنجاز الاعتراف، كما يستحق الفيلم فرصة لدى محبي المغامرات الضخمة. أما النتيجة التي ظهرت أمامي، فقد بقيت فيلماً هوليوودياً مألوفاً، سريعاً في سرد رحلة تحتاج إلى زمن، ومرتفعاً في صوته أكثر من عمقه الإنساني. تمخض جبل نولان، وجاءت ولادته أضخم في التسويق من أثرها داخل السينما.