أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

كاميرا آيماكس في فيلم "الأوديسة": كيف صوّر نولان فيلمًا كاملًا بهذه التقنية؟

 

كريستوفر نولان يقف خلف كاميرا آيماكس المستخدمة في تصوير فيلم "الأوديسة"
كريستوفر نولان مع كاميرا آيماكس، التقنية التي اعتمد عليها في تصوير فيلم "الأوديسة"

تبدأ خصوصية فيلم "الأوديسة" من الأداة التي اختارها كريستوفر نولان لتصويره. فالموضوع هذه المرة لا يتعلق فقط بمخرج يحب الصورة الكبيرة، وإنما بتجربة دفعت تقنية آيماكس إلى أقصاها،إذ صُوِّر الفيلم كاملًا بكاميرات آيماكس التي تعمل بالشريط السينمائي.

 بعد سنوات ظل فيها هذا النوع من الكاميرات يُستعمل في لقطات محددة داخل أفلام مثل "ذا دارك نايت" و"إنترستيلر" و"دانكيرك" و"أوبنهايمر". 

لذلك يصبح فيلم "الأوديسة" مدخلًا مناسبًا لفهم هذه التقنية من جذورها: ما هي كاميرا آيماكس وكيف تعمل، ولماذا تمنح هذه الصورة المختلفة، ولماذا يصر نولان عليها رغم صعوبتها وكلفتها.

ما الذي تعنيه كاميرا آيماكس أصلًا؟

لفهم كاميرا آيماكس، يجب أن نبدأ من البكرة نفسها. تستخدم الكاميرا شريطًا سينمائيًا بعرض 65 مليمترًا، تصنعه شركة كوداك، وعلى جانبي هذا الشريط توجد ثقوب صغيرة منتظمة. هذه الثقوب لا تدخل ضمن الصورة نفسها، وإنما تستخدمها الآلية الداخلية للكاميرا لسحب الشريط وتحريكه بدقة من إطار إلى آخر، إذ تمسك بها الآلية الداخلية لتسحب الشريط، وتوقفه أمام العدسة بدقة، ثم تنقله إلى الصورة التالية.

يمكن تخيل الفكرة بهذه الصورة البسيطة:

□ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □
|                                           |
|          شريط سينمائي على بكرة            |
|                                           |
□ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □

الثقوب هنا تعمل مثل علامات قياس ميكانيكية. الكاميرا تعرف من خلالها مقدار المسافة التي يجب أن يتحركها الشريط بين صورة وأخرى.

ما معنى خمسة ثقوب وخمسة عشر ثقبًا؟

في نظام 65 مليمتر التقليدي، تتحرك البكرة عموديًا داخل الكاميرا، ويأخذ كل إطار مساحة تمتد على خمسة ثقوب فقط. لهذا تسمى الصيغة 5/65.

الرسم التالي يوضح الفكرة:

حركة الشريط إلى الأسفل

| □ |              | □ |
| □ |              | □ |
| □ |   صورة واحدة | □ |
| □ |              | □ |
| □ |              | □ |
------------------------
ثم تبدأ الصورة التالية

المعنى هنا بسيط: صورة واحدة فقط تشغل مساحة تعادل خمسة ثقوب من طول الشريط.

أما آيماكس فتأخذ الشريط نفسه بعرض 65 مليمترًا، لكنها تمرره أفقيًا داخل الكاميرا، ثم تمنح كل صورة مساحة تمتد على خمسة عشر ثقبًا. ولهذا تسمى الصيغة 15/65.

حركة الشريط إلى اليمين

□ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □
|                              |
|      صورة آيماكس واحدة       |
|                              |
□ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □ □

وهنا يظهر الفرق الحقيقي. آيماكس لا تملك جودة أعلى لأن الثقوب نفسها مختلفة، بل لأن كل صورة تأخذ قطعة أكبر بكثير من الشريط. فكلما كبرت المساحة التي تسجل عليها الصورة، زادت كمية التفاصيل التي يمكن الاحتفاظ بها عند التكبير على شاشة عملاقة.

لماذا تمرر آيماكس الشريط أفقيًا؟

هذه نقطة مهمة جدًا، لأنها تفسر تصميم الكاميرا كله. لو بقي شريط 65 مليمتر يتحرك عموديًا وأعطينا كل صورة خمسة عشر ثقبًا، ستمتد الصورة أكثر في الاتجاه العمودي، بينما السينما تحتاج إلى صورة واسعة ومهيأة للشاشة الأفقية. لذلك دارت آيماكس اتجاه مرور الشريط 90 درجة. 

وبهذه الحركة الأفقية أصبح ممكنًا أن تمتد الصورة على خمسة عشر ثقبًا في العرض، فتحصل على إطار ضخم وواسع في الوقت نفسه.

تمنح الحركة الأفقية شريط 65 مليمتر مساحة أكبر لكل إطار، إذ تمتد الصورة على خمسة عشر ثقبًا في عرض الشريط، فتنتج آيماكس إطارًا أكبر بكثير من الإطار المستخدم في صيغة 65 مليمتر التقليدية.

ما الفرق في جودة الصورة؟

في صيغة 65 مليمتر ذات الخمسة ثقوب، تبلغ مساحة الصورة نحو 52.15 × 23.07 مليمترًا. أما في آيماكس 15/65 فتصل إلى نحو 70.41 × 56.62 مليمترًا. هذا يعني أن إطار آيماكس الواحد يستخدم مساحة خام تزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف على إطار 5/65 التقليدي.

هذه الزيادة هي سر وضوح الصورة. الوجه يحتفظ بتفاصيل أدق، والخلفية تبقى أكثر غنى، والمناظر الواسعة تظهر بعمق ووضوح أكبر.

وتصل كمية التفاصيل التي تستطيع صورة آيماكس تسجيلها إلى مستوى تقدّره آيماكس بما يعادل نحو 18K عند مقارنته بالدقة الرقمية. فالشريط السينمائي يسجل الصورة بطريقة تناظرية، لذلك تختلف طريقة قياسه عن الكاميرات الرقمية التي تعتمد على البكسلات. ويُستخدم رقم 18K لتقريب مستوى التفاصيل في صورة آيماكس إلى مقياس رقمي مألوف، مثل 4K و8K.

إنفوغرافيك يقارن بين آيماكس 65 مليمتر ذات 15 ثقبًا، و65 مليمتر ذات 5 ثقوب، و35 مليمتر فيستا فيجن ذات 8 ثقوب
مقارنة بين مساحة الصورة وزمن البكرة في آيماكس 65 مليمتر وبعض صيغ الشريط السينمائي الأخرى.

لماذا يتحدث الناس عن 70 مليمتر أكثر من 65 مليمتر؟

لأن التصوير والعرض مرحلتان مختلفتان. الكاميرا تصور على شريط بعرض 65 مليمترًا، ثم تُجهز نسخة العرض الشريطية بعرض 70 مليمترًا. لهذا سمع كثير من العاملين في السينما والجمهور باسم 70 مليمتر أكثر من 65 مليمتر، لأن الاسم الشائع تاريخيًا جاء من نسخة العرض الموجودة في القاعة. أما داخل الكاميرا، فالأصل يبدأ من 65 مليمتر.

وهذا يعني أننا عندما نتحدث عن التصوير نقول 5/65 أو 15/65، وعندما نتحدث عن العرض على الشريط نقول 5/70 أو 15/70.

ما ثمن هذه الجودة؟

تأتي جودة آيماكس مع مجموعة من الصعوبات العملية في موقع التصوير. أولها الاستهلاك الكبير للخام، فالبكرة التي يبلغ طولها 305 أمتار تمنح كاميرا 65 مليمتر ذات الخمسة ثقوب حوالي ثماني دقائق و53 ثانية من التصوير عند 24 صورة في الثانية،

 بينما تنتهي البكرة نفسها داخل كاميرا آيماكس 15/65 بعد دقيقتين و57 ثانية فقط. وهذا يفرض تبديل البكرات باستمرار، ويزيد كمية الخام التي يحتاجها الفيلم طوال فترة التصوير.

ويظهر حجم هذا الاستهلاك بوضوح في فيلم "الأوديسة"، إذ وصل مجموع الخام السينمائي المستخدم أثناء التصوير إلى نحو 640 ألف متر، أي حوالي 640 كيلومترًا من الشريط. هذا الرقم يعطينا صورة عملية عن كمية الخام التي يتطلبها تصوير فيلم كامل بكاميرات آيماكس.

كاميرا آيماكس داخل غلاف عازل للصوت ومثبتة على سكة أثناء تصوير أحد مشاهد فيلم "الأوديسة"
كاميرا آيماكس داخل الغلاف الكبير المستخدم لتخفيف ضجيجها أثناء تصوير فيلم "الأوديسة"، وقد ثُبتت على عربة تتحرك فوق سكة، فيما يُسجل الحوار بميكروفون فوق الممثلين

ويضاف إلى ذلك حجم الكاميرا ووزنها. فقد وصل وزن بعض تجهيزات كاميرا آيماكس مع العدسة إلى نحو 23 كيلوغرامًا، بينما أشارت تجارب أخرى إلى أوزان تقترب من 30 كيلوغرامًا. هذا الحجم يجعل تشغيل الكاميرا على الكتف وتحريكها داخل المواقع أكثر تطلبًا، ويجبر فريق التصوير على التخطيط بدقة لمكانها وطريقة انتقالها أثناء المشهد.

أما الضجيج الميكانيكي فكان من أكبر العقبات أمام استعمال آيماكس في المشاهد الحوارية، لأن مرور هذا الحجم من الشريط داخل الكاميرا بسرعة يولد صوتًا يمكن أن تلتقطه ميكروفونات موقع التصوير.

 ولهذا طورت آيماكس مع الجيل الجديد من كاميرا "كايلي" غلافًا عازلًا للصوت يحيط بالكاميرا ويخفض ضجيجها، مما سمح بتسجيل الحوار المتزامن أثناء تصوير فيلم "الأوديسة" وأتاح لنولان استخدام كاميرات آيماكس طوال الفيلم.

وتظهر هذه الصعوبات مجتمعة في طريقة العمل نفسها، حيث البكرة تنتهي بسرعة، والكاميرا الثقيلة تحتاج إلى حركة محسوبة، والضجيج الميكانيكي يتطلب حلولًا خاصة عند تسجيل الحوار. لذلك يصبح كل متر من الخام وكل دقيقة أمام الكاميرا جزءًا من حسابات التصوير قبل الضغط على زر التشغيل.

كيف جعل نولان هذه التقنية قلبًا لفيلم «الأوديسة»؟

كاميرا آيماكس وسط الممثلين وفريق العمل في موقع تصوير فيلم "الأوديسة"
تصوير لقطات قريبة جدًا من الممثلين بكاميرا آيماكس في فيلم "الأوديسة"، مع تسجيل الحوار والصوت مباشرة أثناء التصوير

يشرح كريستوفر نولان أن اختياره لكاميرا آيماكس يرتبط بالطريقة التي يضع بها الكاميرا داخل المكان وعلاقتها بالممثلين وما يحيط بهم.

 ففي فيلم "الأوديسة" كان التصوير يجري على قوارب حقيقية وفي البحر نفسه، مما سمح له بوضع الكاميرا داخل هذا الفضاء واختيار المسافة التي تفصلها عن الممثل والمكان بدقة.

 ويرى نولان أن موقع الكاميرا يغيّر علاقة المشاهد بما يحدث أمامه، لأن الاقتراب من الشخصية أو الابتعاد عنها وتحديد موقعها داخل المكان يؤثر في الطريقة التي يشعر بها الجمهور بالمشهد. وتخدم صورة آيماكس هذا الاختيار بما تسجله من تفاصيل وبما تمنحه للشخصيات والأماكن من حضور قوي عند عرضها على الشاشة الكبيرة.

ومع فيلم "الأوديسة"، توسع استعمال كاميرات آيماكس ليشمل الفيلم كاملًا. فقد أصبحت الكاميرا حاضرة في المشاهد الحوارية، وفي اللقطات القريبة من الممثلين، وفي التصوير داخل القوارب وفي البحر، إلى جانب اللقطات الواسعة. 

وهذا يختلف عن فيلم "أوبنهايمر" مثلًا، الذي جمع فيه نولان بين كاميرات آيماكس 65 مليمتر ذات الخمسة عشر ثقبًا وكاميرات 65 مليمتر التقليدية ذات الخمسة ثقوب. أما في فيلم "الأوديسة"، فقد حافظ نولان على كاميرات آيماكس طوال عملية التصوير.